خاطرة عن مواقع التواصل الاجتماعي

تباريح 2020-07-16 تاريخ التعديل: 2020-07-17

مواقع التواصل الاجتماعية بصيغتها الحالية، صيغة: الجميع يصرخ والجميع يتحدث والجميع يتعارك، صيغة غير صحيّة بالمرة.

 

على عكس الويب سابقًا، كان ويب لا مركزي متركّز في المنتديات المتخصصة والمدونات والمواقع الإلكترونية. كانت هذه المواقع توفر لروّادها الحد الأدنى من التفاهم والاهتمامات المشتركة، وحتى الحوارات التي كنت تجدها كانت حوارات مثرية أكثر مما هو موجود في مواقع التواصل الاجتماعية التي جمعت عامّة الناس وصغيرهم وكبيرهم وعالمهم وجاهلهم وكل ما يخطر في بالك من فئات في المجتمع.

 

قدّمت هذه المواقع (مواقع التواصل الاجتماعي) في بدايتها الحل لجمع كل هذا الشتات والتسجيل في حساب واحد لكل اهتماماتك.. كانت المسائل في البداية جميلة وشبابية ومسليّة ولا تؤخذ بتلك الجديّة، ولكن دخل المال وسال لعاب شركات التسويق لهذه الفرصة التي لا تعوّض، فدخلت الشركات الدعائية والمؤسسات والقنوات الفضائية والأحزاب السياسية وسحبت البساط من تلك المجتمعات الشبابية البسيطة وصار عدم التسجيل في هذه المواقع خروجًا عن (العالم الافتراضي) فإذا لم تكن على هذه المواقع صرت غير موجود وقد عفا عليك الزمن.

 

هذه الكمية الهائلة من الضوضاء البشرية أنتجت ثقافة شعبية غاية في الرداءة والسطحية والبحث عن المختصر ومختصر المختصر واختلط فيها الجد بالهزل والعلم بالجهل والأدب بقلة الأدب، وهذا شيء غير مستغرب عندما يجتمع العامة في مجلس واحد كبير جدا (ولكنه مجلس واحد مع ذلك) وكل واحد من هؤلاء له نفس القدرة على الحديث وإبداء الرأي. إلى جانب ظهور (نخبة) من (شباب) المجتمع الذين أصبحوا بقدرة قادر: مؤثرين ولهم رأيهم في القضايا المجتمعية ولهم مشجعّون ومريدون ومدافعون مستميتون.

 

كانت المنتديات القديمة تعاني من تصميم غاية في السوء وتجربة استخدام عقيمة جدا لم تتوازى مع التطورات الهائلة في تطوير الويب (سواء على مستوى الواجهات أو برمجة البُنى التحتية). هذا جعلها تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام هذه الشبكات المُغرية والتي تعزز من انتفاخ الغرور الشخصي إلى أقصى حد على هيئة التفاعلات المختلفة وكمية المتابعات (التي ستكون أكثر بحكم وجود جميع الناس فيها).

 

ولكنها (هذه المنتديات) كانت على الأقل متخصصة في مجال واحد أو مجالات قريبة من بعضها وللمشاركين فيها نمط متشابه ولهم اهتمام مشترك يتبادلون فيه المعلومات، وتقل فيها العلاقة الشخصية إلى أقل حد، ويلاحظ أن أكثر المشاركين كانوا يشاركون بحسابات وهمية على عكس الشبكات الاجتماعية التي يتسابق الأغلب لعرض هويّاتهم الحقيقية، بل وقد يقدم البعض على نشر دقائق حياتهم اليومية وخصوصياتهم على الملأ.

 

ومن أجل التخلّص من فوضى الشبكات الاجتماعية، بدت الفرصة لبدء (منتديات) ولكن بأسلوب عصري وأُلبست لباس الشبكات الاجتماعية فظهرت شبكات اجتماعية أو منتديات عصرية للمصممين وللمبرمجين ولمحبي ألعاب الفيديو وغيرهم. وبدأت (صحوة عربية) ألمحها في إنشاء مدونات شخصية وبودكاستات وأنماط من المحتوى خارجة عن هذه الشبكات الاجتماعية وخارجة عن النمط الإعلامي التقليدي، ولكن هذه الأنواع من المحتوى ما تزال بحاجة لهذه الشبكات للترويج لما تنتجه.

 

في الأخير، أرجو إنشاء المزيد من الشبكات/المجتمعات/المنتديات/المدونات/المدونات الصوتية (بودكاست) وأصناف المحتوى المتخصصة وأن يهاجر إليها المهتمون الحقيقيون والمختصون، وهكذا تكون مجتمعات فعالة ذات نقاشات ثرية ولا مركزية لا تخضع لأهواء شركة قد تفعل (العجائب) من أجل إدمان المستخدمين لخدماتها وتوجيهم لا بما يسهم في تحسين حياتهم بل بالغرق في مستنقعاتها الموحلة، وتصير هذه المجتمعات خادمة لتركيز الناس في اهتماماتهم بدون إشغالهم بقضايا تافهة لمجرد أنها ظهرت (صيحة) للفارغين.

 

إذا كنت مهتما بمثل هذه المواضع (عن الثقافة التقنية وتداعياتها على المجتمع) يمكنك الاستماع إلى هذه البودكاست الجميل

https://anchor.fm/netescape